الشوكاني

247

نيل الأوطار

أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر ، وأنها لم تكن أربعا ثم قصرت . وقوله : على لسان محمد تصريح بثبوت ذلك من قوله ( ص ) الحجة الخامسة : حديث ابن عمر الآتي بلفظ : أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر . ( واحتج القائلون ) بأن القصر رخصة والتمام أفضل بحجج . الأولى : منها قول الله تعالى : * ( ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) * ( النساء : 101 ) ونفي الجناح لا يدل على العزيمة بل على الرخصة ، وعلى أن الأصل التمام ، والقصر إنما يكون من شئ أطول منه . وأجيب بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف لا في قصر العدد ، لما علم من تقدم شرعية قصر العدد . قال في الهدى وما أحسن ما قال : وقد يقال إن الآية اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين وقيد ذلك بأمرين : الضرب في الأرض ، والخوف ، فإذا وجد الامر أن أبيح القصران ، فيصلون صلاة خوف مقصورا عددها وأركانها ، وإن انتفى الأمران وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة ، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده ، فإن وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفى العدد ، وهذا نوع قصر ، وليس بالقصر المطلق في الآية ، وإن وجد السفر والامن قصر العدد واستوفيت الأركان وصليت صلاة أمن ، وهذا أيضا نوع قصر ، وليس بالقصر المطلق ، وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد ، وقد تسمى تامة باعتبار تمام أركانها وإن لم تدخل في الآية اه . الحجة الثانية : قوله ( ص ) في حديث الباب : صدقة تصدق الله بها عليكم فإن الظاهر من قوله : صدقة أن القصر رخصة فقط . وأجيب بأن الامر بقبولها يدل على أنه لا محيص عنها وهو المطلوب . الحجة الثالثة : ما في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمنهم القاصر ، ومنهم المتم ، ومنهم الصائم ، ومنهم المفطر ، لا يعيب بعضهم على بعض ، كذا قال النووي في شرح مسلم ، ولم نجد في صحيح مسلم قوله : فمنهم القاصر ، ومنهم المتم وليس فيه إلا أحاديث الصوم والافطار ، وإذا ثبت ذلك فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وقررهم عليه ، وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك ، وقد تقرر أن إجماع الصحابة في عصره صلى الله عليه وآله وسلم ليس بحجة ، والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته ، وقد أنكر جماعة منهم علي وعثمان لما أتم بمنى وتأولوا له تأويلات . قال ابن القيم : أحسنها أنه كان قد تأهل بمنى ، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه ،